( قصة قصيرة )
دخل رجل فقير على ملك من الملوك .. وكان هذا الرجل قد عمل عملا أحسن فيه إلى الملك .. فأراد الملك أن يكافئه على عمله فقال له :
أحسن الله إليك يا أخي كما أحسنت إلي .. هذه خزانة الدولة بين يديك خذ ما شئت منها من مال ودع ما شئت .. ولكن !! لتكن على علم بأن الخزانة ستغلق أبوابها بعد ساعة واحدة فعجل بأخذ ما تريد ..
فرح الرجل بهذه المكرمة أيما فرح .. كيف لا وهو الذي إن وجد الغداء لم يجد العشاء من شدة فقره .. أحس فجأة وبلا مقدمات بأن العالم كله بين يديه .. بعد أن لم يكن بيده ما يسد به جوعته ..
دخل صاحبنا إلى الخزانة .. نظر إليها .. تأملها .. فإذا بها ما لم تره عيناه طيلة حياته .. أموال لا عد لها ولا حصر .. مجوهرات من كل صنف ولون .. بل أكثر من ذلك .. وجد أنهم قد أعدوا له ألذ الطعام وأطيبه .. كان الرجل جائعا كعادته .. فهو لا يذكر أنه قد شبع من طعام قط .. نظر إلى ساعة معلقة بالحائط فإذا بالوقت لا زال مبكرا .. فما زالت الساعة التي أعطاها الملك مهلة للرجل لم يمضي منها سوى ثلاث دقائق .. فكر قليلا ثم قرر .. أنا الآن جائع ولن استطيع أن أحمل هذه الأموال والمجوهرات والوقت الذي حدده الملك مازال فيه متسع .. سآكل أولا حتى أتقوى على حمل ما سأحمله من أموال ومجوهرات .. جلس صاحبنا على طاولة الطعام .. أكل وشرب حتى أحس بأن جسده كله قد أمتلأ بالطعام وليست معدته فحسب .. قام متثاقلا متكاسلا ليغسل يديه .. وإذا به يجد في طريقه سريرا ضخما غاية في الإبداع كان الملك يستخدمه من قبل .. نظر صاحبنا إلى الساعة
( وكلنا يعلم كيف أن كثرة الطعام تجلب النوم ولا بد ) فإذا بثلث المده التي أعطاه الملك قد أنتهت ..أي أنه قد أمضى عشرون دقيقة في الأكل .. فكر قليلا ثم قرر .. سأغفوا إغفائة يسيرة .. عشرون دقيقة فقط .. وبعدها سأمضي في جمع الأموال .. فأكون بذلك قد قسمت المهلة خير تقسيم .. استلقى صاحبنا على السرير .. وحينما وضع رأسه على الوسادة لم يشعر بنفسه إلا وحارس الخزانة يوقظه .. يا أخي يا أخي .. استيقظ .. انتهت المهلة ..
استيقظ صاحبنا فزعا خائفا وجلا .. صارخا.. ماذا ?? ماذا تقول ?? انتهت المدة ?? كيف .. متى .. لا أصدق ??
جاوبه الخازن بحزم .. ألم تجمع شيئا ?? قال : كلا والله ما جمعت شيئا ..أرجوك .. أنني أفقر مما تتصور .. أعطني مهلة ثانية .. لا أريد ساعة .. أعطني نصف ساعة .. أو حتى ربع ساعة .. فأجابه الخازن بحده وهو يسحبه إلى الخارج .. ألم يعطيك الملك ساعة كاملة ?? لماذا أضعت الفرصة من يدك !! أخرج الآن واترك كل شيء مكانه .. بكى صاحبنا .. ناح .. صاح .. توسل إليه .. قبل يديه .. بل حتى قدميه .. دون جدوى .. رفع صوته قائلا .. يا أيها الملك .. أمهلني ساعة أخرى .. أرجووووك .. أتوسل إلييييك .. ولكن .. لا فائدة .. تم سحبه من الخزانة بالقوة .. وألقي به خارجها .. وأغلق الباب .. أنتهت مهلة الملك لهذا الرجل المسكين دون أن يستفيد منها .. دون أن يغتنمها في ما ينفعه .. دون أن يجمع فيها ما يقتات به طيلة حياته .. لكن عزاؤه الوحيد أنه قد يحالفه الحظ ويدخل الخزانة مرة أخرى .. من يدري ?? ولكن ...**
حينما تنتهي مهلتك أنت في هذه الدنيا .. ويأتيك ملك الموت .. معلنا بذلك انتهاء المهلة التي أعطاك الله إياها .. لتجمع الحسنات .. وتسابق إلى الخيرات .. وتفوز بعدها بجنة عرضها الأرض والسماوات .. هل ستندم كما ندم صاحبنا حينما فرط في جمع الكنوز والمجوهرات .. وانشغل بالشهوات والملذات عما ينفعه ?? هل ستقول ( رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ) ?? أم أنك ستكون فرحا بما قدمت من صلاة وصيام وصدقة وذكر لله وطاعة واتباع للسنة .. إعلم أخي في الله .. أننا مع حزننا لما حصل لهذا المسكين .. وكيف أن الفرصة قد فاتته .. إلا أنه قد يكون رجلا صالحا .. عابدا لله .. طائعا له .. فتكون حسرته دنيوية .. تنتهي بنهاية هذه الدنيا القصيرة .. بل والله القصيرة جدا .. ثم بعد ذلك خلود فلا موت في جنة فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .. أما العصاة المذنبون .. فلو أن الله عز وجل حكم عليهم بعذاب يوم واحد فقط لمكثوا في جهنم ( ١٠٠٠ ) ألف سنة كاملة .. تصور !!! .. ألم يقل سبحانه ( وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ) فكيف بربك لو أنه سبحانه حكم عليهم بعذاب يومين !! أوثلاثة !! أو عشرة أو عشرون يوما ?!? كيف ستكون الحال !! هذا إن لم يكن الإنسان تارك للصلاة والعياذ بالله فيكون بذلك قد كفر بالله واستحق الخلود في نار جهنم خلودا أبديا سرمديا لا مخرج منها أبدا .. خلود في نار أهون أهلها عذابا رجل يلبس نعلين من نار يغلي منهما دماغه أعاذنا الله وأياكم منها .. هذا أهونهم عذابا فكيف بمن عذابه أشد من ذلك .. فقد قال عليه الصلاة والسلام ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ) ..
سؤال أخير .. هل ستكون حالتك عند خروجك من الدنيا ( ولا شك أنك ستخرج منها ) كحالة صاحبنا حينما أخرجوه من الخزانة ?? هذا السؤال يحدد إجابته ما ستقدمه في المهلة المقدمة لك من رب العالمين ..
اسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يشرح صدرك للهداية والإستقامة على طاعته حتى تلقاه .. قل آمين .. ولا تنساني من صالح دعائك ..
ــــــــــــــــــــــــــــــ
حمودي