الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد.
لا ريب أن من مقاصد رسالة الإسلام تهذيب الأخلاق، وتزكية النفوس، ونشر المحبة والألفة وروح
التعاون والإخاء بين المسلمين..وهناك آفة عظيمة انتشرت بين جميع فئات المجتمع على اختلاف
مراحلهم العمرية وطبقاتهم الثقافية..آفة عظيمة تغضب الرب جل وعلا، وتخرج العبد من ديوان
الصالحين، وتدخله في زمرة العصاة الفاسقين..
إنها السب واللعن والفحش وبذاءة اللسان.. فتجد الوالد يسب أبناءه ويلعنهم، والأم كذلك تفعل مثله،
وتجد الصديق يسب ويلعن صديقه، فيرد عليه بسب أمه وأبيه. حتى الطفل الصغير تجده قد تعود كيل السباب واللعائن للآخرين،
وربما فعل ذلك بأبيه وأمه وهما ينظران إليه فرحين مسرورين.. إن الواجب على كل عاقل أن يضبط
لسانه دائماً، ولا يعوده السب واللعن، حتى مع خادمه وولده الصغير، بل ومع أي شيء من جماد أو
حيوان، فإنه لا يأمن إذا سب أحداً من الناس أو لعنه أن يقابله بمثل قوله، أو يزيد عليه فيثور غضبه
ويطغى، ويقوده إلى ما لا تُحمد عقباه، وكم من جريمة وقعت كانت بدايتها لعناً وسباباً، ومعظم النار من مستصغر الشرر.
وإذا سب الإنسان أو لعن مسلماً فقد آذاه، والله تعالى يقول: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير
ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا [الأحزاب:58].
آفة السب
يقول النبي : { سباب المسلم فسوق وقتاله كفر } [متفق عليه].
فسب المسلم بغير حق حرام بإجماع الأمة، وفاعله فاسق كما أخبر به النبي ) [شرح صحيح مسلم:2/241].
! ألا فليتق الله أناس تركوا العنان لألسنتهم حتى أوردتهم موارد الهلكة ومراتع الحسرات، قال النبي : {
سباب المسلم كالمشرف على الهلكة } [رواه البراز وحسنه الألباني]
تحذير للبادئ بالسباب:
قال النبي : { المستبان ما قالا، فعلى البادىء منهما، ما لم يعتد المظلوم } [رواه مسلم]
وللإمام النووي رحمه الله فوائد حول هذا الحديث حيث قال:
(1- معناه أن إثم السباب الواقع من اثنين مختص بالبادىء منهما كله،
إلا أن يتجاوز الثاني قدر الانتصار، فيقول للبادىء أكثر مما قال له.
2- وفي هذا جواز الانتصار، ولا خلاف في جوازه، وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة. قال الله
تعالى: ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل [الشورى:41].
3- ومع هذا فالصبر والعفو أفضل، قال الله تعالى: ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور
[الشورى:43].
وإذا تعدى المسبوب وتجاوز الحد وقع الإثم عليهما، فعن عياض بن حمار قال: قلت: يانبي الله ! الرجل
يشتمني وهو دوني، أعليّ من بأس أن أنتصر منه؟ قال : { المستبان شيطانان يتهاتران، ويتكاذبان }
[رواه ابن حبان وصححه الألباني].
من أكبر الكبائر:
واحذر أخي من أن تكون سبباً في سب والديك فتكون كمن سبهما، فقد قال النبي : { إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه }
قيل يارسول الله ! وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال:
{ يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه } [رواه البخاري].
آفة اللعن
أما اللعن فقد ورد فيه وعيد شديد وتهديد أكيد من النبي ، فقد قال النبي :
بيّن النبي أن المؤمن كامل الإيمان لا يكون لعاناً أبداً، فقال عليه الصلاة والسلام: { لا يكون المؤمن
لعاناً } [رواه الترمذي وصححه الألباني].
ولذلك نهى النبي عن التلاعن فقال عليه الصلاة والسلام: { لا تلاعنوا بلعنة الله، ولا بغضبه ولا
بالنار } [رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح].
وأخبر عن تأخر منازل اللعانين يوم القيامه فقال: { لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة }
[رواه مسلم].
قال النووي رحمه الله عن هذا الحديث: ( فيه الزجر عن اللعن، وأن من تخلق به لا يكون فيه هذه
الصفات الجميلة،
لأن اللعنه في الدعاء يراد بها الإبعاد من رحمة الله تعالى، وليس الدعاء بهذا من أخلاق المؤمنين
الذين وصفهم الله تعالى بالرحمة بينهم والتعاون على البر والتقوى،
وأوصى النبي جرموذ الجهني فقال: { أوصيك ألا تكون لعاناً } [رواه الطبراني وصححه الألباني].
وقال سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: ( كنا إذا رأينا الرجل يلعن أخاه، رأينا أنه أتى باباً من الكبائر ).
أين تذهب اللعنة؟
هل تدري أيها اللعان أن لعنتك تصعد إلى السماء فيهرب أهل السماء منها خشية أن تصيبهم؟! هل
تدري أنها تهبط إلى الأرض بعد ذلك، فتهرب الكائنات منها خشية أن تصيبهم؟!
هل تدري أنها تذهب بعد ذلك يميناً ويساراً حتى تصادف من يستحقها؟
ثم هل تدري أنها تعود إليك إذا كان من لعنت لا يستحق لعنتك؟
فعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله : { إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنه إلى السماء، فتغلق
أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يميناً وشمالاً، فإن لم تجد
مساغاً رجعت إلى الذي لعن فإن كان أهلاً، وإلا رجعت إلى قائلها } [رواه أبو داود وحسنه الألباني لغيره].
سد منافذ اللعن
سد النبي كل منفذ يؤدي إلى السب واللعن، فنهى عن سب أو لعن كل شيء لا يستحق اللعن،
حتى ولو كان حيواناً أو جماداً، فعن عمران بن حصين قال: بينما رسول الله في بعض أسفاره،
وامرأة من الأنصار على ناقة، فضجرت، فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله فقال: { خذوا ما عليها
ودعوها، فإنها ملعونة }.
قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد. [رواه مسلم].
قال النووي رحمه الله: ( إنما قال هذا زجراً لها ولغيرها، وكان قد سبق نهيها ونهي غيرها عن اللعن،
فعوقبت بإرسال الناقة. والمراد. النهي عن مصاحبته لتلك الناقة في الطريق ) [شرح صحيح مسلم
للنووي:16/363].
وقال النبي : { لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة } [رواه أبو داود وابن حبان وصححه الألباني].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رجلاً لعن الريح عند رسول الله فقال: { لا تلعن الريح فإنها
مأمورة، من لعن شيئاً ليس له بأهل، رجعت اللعنة عليه } [رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني].
وعن جابر أن النبي دخل على أم السائب فقال: { مالك تٌزفزين؟ } قالت: الحمى، لا بارك الله فيها.
قال: { لاتسبي الحمى، فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير الخبث } [رواه مسلم].
[حكم لعن المعين]
لاريب أن المؤمن المعين لا يجوز لعنه حياً أو ميتاً للأدلة التي ذكرنا بعضها فيما سبق، أما الكافر
المعين فلا يجوز لعنه إذا لم يكن قد مات على الكفر، لأنه لا يدري ما يختم له به، وليس هناك مصلحة
في الدعاء على أحد بالموت على الكفر، ويدل على ذلك حديث ابن عمر، أن رسول الله قال يوم أحد: {
اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن
أميه } فنزلت الآية ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون [آل عمران:
128] فتاب عليهم كلهم [رواه أحمد والترمذي، وعند البخاري { اللهم العن فلاناً وفلاناً }
. فإذا كان لايجوز لعن الكافر المعين الذي لم يمت على الكفر، فكذلك لا يجوز لعن الفاسق المعين أو
الظالم المعين من باب أولى، نعم يجوز ذلك بالأوصاف العامة، كأن يقول: لعنة الله على الزناة، أو على
الكاذبين ونحو ذلك ( أنظر كتاب الأخلاق الدينيه لعبد الرحمن الجزيري ص111 ).
فقد لعن النبي أصنافاً من العصاة بغير تعيين كالواشمة والمستوشمة، والنامصة والمتنمصة، وآكل
الربا وموكله، وشارب الخمر، والمحلل والمحلل له، وغيرهم كثير. أما من تيقن موته على الكفر
كفرعون وأبي جهل وغيرهما فإنه يجوز لعنه،
على أن المسلم ينبغي عليه أن يطهر لسانه من السبّ
ولو أن المسلمين تعاملوا بهذه الأخلاق الكريمة، والنفوس الصافية والصدور السليمة لتغير حالهم،
وعظم أثرهم في أنفسهم وفي غيرهم من غير المسلمين.. ألا فليرجع المسلمون إلى أخلاق النبوة
وآداب الرسالة، ليرجع إليهم تميزهم، ويكونوا خير أمة أخرجت للناس، كما كان أسلافهم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.