الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
تمهيد
فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن وقوع متابعة أمته للأمم
السابقة من اليهود والنصارى والفرس ، وليس هذا – بلا شك – من المدح
لفعلهم هذا بل هو من الذم والوعيد ،
فعن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "
لتتبعن سَنن من قبلكم شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراعٍ ، حتى لو سلكوا جحر
ضبٍّ لسلكتموه ، قلنا : يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال : فمن !؟ " ،
رواه البخاري ( 3269 ) ومسلم ( 2669 ) .
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا
تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراعٍ
، فقيل : يا رسول الله كفارس والروم ؟ فقال : ومن الناس إلا أولئك ؟ " .
رواه البخاري ( 6888 ) .
أخذ القرون : المشي على سيرتهم .
وقد تابع جهلة هذه الأمة ومبتدعتها الأمم السابقة من اليهود
والنصارى والفرس في عقائدهم ومناهجهم وأخلاقهم وهيئاتهم ،
ومما يهمنا – الآن – أن ننبه عليه في هذه الأيام هو اتباعهم ومشابهتم
في ابتداع " عيد الأم " أو " عيد الأسرة " ،
وهو اليوم الذي ابتدعه النصارى تكريماً – في زعمهم – للأم ،
فصار يوماً معظَّما تعطَّل فيه الدوائر ويصل فيه الناس أمهاتهم ويبعثون
لهن الهدايا والرسائل الرقيقة ، فإذا انتهى اليوم عادت الأمور لما كانت
عليه من القطيعة والعقوق .
والعجيب من المسلمين أن يحتاجوا لمثل هذه المشابهة وقد أوجب الله
تعالى عليهم بر الأم وحرَّم عليهم عقوقها وجعل الجزاء على ذلك أرفع الدرجات .
تعريف العيد
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
فالعيد اسم لما يعود من الاجتماع على وجه معتاد ، عائد : إما بعود
السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر أو نحو ذلك " اقتضاء الصراط المستقيم " ( 1 / 441 ) .
وقال ابن عابدين – رحمه الله - : " سُمي العيد بهذا الاسم ؛ لأن لله
تعالى فيه عوائد الإحسان ، أي : أنواع الإحسان العائدة على عباده في
كل يوم ، منها : الفطر بعد المنع عن الطعام ، وصدقة الفطر ، وإتمام
الحج بطواف الزيارة ، ولحوم الأضاحي ، وغير ذلك ، ولأن العادة فيه الفرح
والسرور والنشاط والحبور " .
" حاشية ابن عابدين " ( 2 / 165 ) .
كم عيد في الإسلام ؟
يلحظ المسلم كثرة الأعياد عند المسلمين في هذه الأزمنة ،
مثل " عيد الشجرة " ، و " عيد العمال " و " عيد الجلوس " و " عيد
الميلاد " …الخ وهكذا في قائمة طويلة ، وكل هذا من اتباع اليهود
والنصارى والمشركين ، ولا أصل لهذا في الدين ، وليس في الإسلام إلا
عيد الأضحى وعيد الفطر .
عن أنس بن مالك قال كان لأهل الجاهلية يومان في كل سنة يلعبون
فيهما فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال : كان لكم
يومان تلعبون فيهما وقد أبدلكم الله بهما خيراً منهما : يوم الفطر ، ويوم الأضحى .
رواه أبو داود ( 1134 ) والنسائي ( 1556 ) ، وصححه الشيخ الألباني .
بر الأم
قال الله تعالى : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً
وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ
وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً } [ النساء / 36 ] .
وقال تعالى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً } [ الإسراء / 23 ] .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقال : يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي ؟
قال : أمك ، قال : ثم من ؟ قال : ثم أمك ، قال : ثم من ؟ قال : ثم أمك ، قال : ثم من ؟ قال : ثم أبوك .
رواه البخاري ( 5626 ) ومسلم ( 2548 ) .
قال الحافظ ابن حجر :
قال ابن بطال : مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر ، قال :
وكان ذلك لصعوبة الحمل ثم الوضع ثم الرضاع فهذه تنفرد بها الأم
وتشقى بها ثم تشارك الأب في التربية ،
وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهنٍ وفصاله في عامين } ،
فسوَّى بينهما في الوصاية ، وخص الأم بالأمور الثلاثة ، " فتح الباري " ( 10 / 402 ) .
بل وحتى الأم المشركة فإن الشرع المطهر الحكيم رغَّب بوصلها :
فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : قدمتْ عليَّ أمِّي وهي
مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيتُ رسول
الله صلى الله عليه وسلم قلت : قدمتْ عليَّ أمِّي وهي راغبة أفأصل أمي ؟ قال : نعم صِلِي أمَّك .
رواه البخاري ( 2477 ) .
الأم في بلاد الكفر
إن المتتبع لأحوال الأسرة عموما وللأم خاصة في المجتمعات الغير
إسلامية ليسمع ويقرأ عجباً ، فلا تكاد تجد أسرة متكاملة يصل أفرادها
بعضهم بعضاً فضلا عن لقاءات تحدث بينهم وفضلا عن اجتماع دائم .
.
وعندما يصير الأب أو الأم في حالة الكِبَر يسارع البار ! بهما إلى وضعهما
في دور العجزة والمسنِّين ،
وقت عيد الأم عند الدول
الاحتفال بعيد الأم يختلف تاريخه من دولة لأخرى ، وكذلك أسلوب
الاحتفال به ، فالنرويج تقيمه في الأحد الثاني من فبراير ، أما في
الأرجنتين فهو يوم الأحد الثاني من أكتوبر ، وفي لبنان يكون اليوم الأول
من فصل الربيع ، وجنوب أفريقيا تحتفل به يوم الأحد الأول من مايو.
أما في فرنسا فيكون الاحتفال أكثر بالعيد كعيد الأسرة في يوم الأحد
الأخير من مايو حيث يجتمع أفراد الأسرة للعشاء معاً ثم تقدم كيكة للأم.
والسويد أيضا عندها عطلة عيد الأسرة في الأحد الأخير من مايو وقبلها
بأيام يقوم الصليب الأحمر السويدي ببيع وردات صغيرة من البلاستيك
تقدم حصيلتها للأمهات اللاتي يكن في عطلة لرعاية أطفالهن . وفي
اليابان يكون الاحتفال في يوم الأحد الثاني من مايو مثل أمريكا الشمالية
وفيه يتم عرض صور رسمها أطفال بين السادسة والرابعة عشرة من
عمرهم وتدخل ضمن معرض متجول يحمل اسم "أمي" ويتم نقله كل 4
سنوات يتجول المعرض في عديد من الدول .
الموقف الشرعي من عيد الأم :
الإسلام غني عما ابتدعه الآخرون سواءً عيد الأم أو غيره ، وفي
تشريعاته من البر بالأمهات ما يغني عن عيد الأم المبتدع .
فتاوى أهل العلم
13. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز :
اطلعتُ على ما نشرته صحيفة (الندوة) في عددها الصادر بتاريخ 30 / 11
/ 1384 هـ تحت عنوان (تكريم الأم.. وتكريم الأسرة) فألفيت الكاتب قد
حبذ من بعض الوجوه ما ابتدعه الغرب من تخصيص يوم في السنة
يحتفل فيه بالأم وأَوْرَدَ عليه شيئا غفل عنه المفكرون في إحداث هذا
اليوم وهي ما ينال الأطفال الذين ابتلوا بفقد الأم من الكآبة والحزن حينما
يرون زملائهم يحتفلون بتكريم أمهاتهم واقترح أن يكون الاحتفال للأسرة
كلها واعتذر عن عدم مجيء الإسلام بهذا العيد ؛ لأن الشريعة الإسلامية
قد أوجبت تكريم الأم .
ولقد أحسن الكاتب فيما اعتذر به عن الإسلام وفيما أورده من سيئة هذا
العيد التي قد غفل عنها من أحدثه ولكنه لم يشر إلى ما في البدع من
مخالفة صريح النصوص الواردة عن رسول الإسلام عليه أفضل الصلاة
والسلام ولا إلى ما في ذلك من الأضرار ومشابهة المشركين والكفار
فأردت بهذه الكلمة الوجيزة أن أنبه الكاتب وغيره على ما في هذه
البدعة وغيرها مما أحدثه أعداء الإسلام والجاهلون به من البدع في
الدين حتى شوهوا سمعته ونفروا الناس منه وحصل بسبب ذلك من
اللبس والفرقة ما لا يعلم مدى ضرره وفساده إلا الله سبحانه.
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
التحذير من المحدثات في الدين وعن مشابهة أعداء الله من اليهود
والنصارى وغيرهم من المشركين مثل قوله صلى الله عليه وسلم : "
من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " متفق عليه وفي لفظ
لمسلم " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " ، والمعنى :
فهو مردود على ما أحدثه وكان صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته
يوم الجمعة : " أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدي
محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة "
خرجه مسلم في صحيحه ، ولا ريب أن تخصيص يوم من السنة للاحتفال
بتكريم الأم أو الأسرة من محدثات الأمور التي لم يفعلها رسول الله صلى
الله عليه وسلم ولا صحابته المرضيون ، فوجب تركه وتحذير الناس منه
، والاكتفاء بما شرعه الله ورسوله .
ونسأل الله أن يوفق المسلمين للفقه في الدين وأن يصلح أحوالهم
ويهدي قادتهم وأن يوفق علماءنا وكتابنا لنشر محاسن ديننا والتحذير من
البدع والمحدثات التي تشوه سمعته وتنفر منه إنه على كل شيء قدير
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه ومن سلك سبيله واتبع سنته إلى يوم الدين .
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " ( 5 / 189 ) . باختصار
4. وقال الشيخ صالح الفوزان :
ومن الأمور التي يجري تقليد الكفار فيها : تقليدهم في أمور العبادات ،
كتقليدهم في الأمور الشركية من البناء على القبور ، وتشييد المشاهد
عليها والغلو فيها .
ومن ذلك تقليدهم في الأعياد الشركية والبدعية كأعياد الموالد عند مولد
الرسول صلى الله عليه وسلم وأعياد موالد الرؤساء والملوك ، وقد
تسمى هذه الأعياد البدعية أو الشركية بالأيام أو الأسابيع – كاليوم
الوطني للبلاد ، ويوم الأم وأسبوع النظافة – وغير ذلك من الأعياد
اليومية والأسبوعية، وكلها وافدة على المسلمين من الكفار ؛
وإلا فليس في الإسلام إلا عيدان: عيد الفطر وعيد الأضحى ، وما
عداهما فهو بدعة وتقليد للكفار ، ، { لقد كان لكم في رسول الله أسوة
حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً } الأحزاب/21 .
من خطبة " الحث على مخالفة الكفار" باختصار
5. وسئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن حكم الاحتفال بما يسمى عيد الأم ؟.
فأجاب :
إن كل الأعياد التي تخالف الأعياد الشرعية كلها أعياد بدع حادثة لم تكن
معروفة في عهد السلف الصالح وربما يكون منشؤها من غير المسلمين
أيضا؛ فيكون فيها مع البدعة مشابهة أعداء الله سبحانه وتعالى ، والأعياد
الشرعية معروفة عند أهل الإسلام ، وهي عيد الفطر ، وعيد الأضحى ،
وعيد الأسبوع ( يوم الجمعة ) وليس في الإسلام أعياد سوى هذه
الأعياد الثلاثة ،" مجموع الفتاوى " ( 25 / 324 – 326 ) . باختصار
والله أعلم .